السعيد شنوقة
401
التأويل في التفسير بين المعتزلة والسنة
مجالسة المستهزئين فإنّ قبحها بيّن بالعقل ، لذا فهو يستقل بتحريمها . أما ما ورد في الشرع من ذلك فكاشف لحكمها ومبنية عليه وغير منشئ فيها حكما « 1 » لذا قال في الآية : وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطانُ فَلا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ [ الأنعام : 68 ] : و « يجوز أن يراد وإن كان الشيطان ينسيك قبل النهي قبح مجالسة المستهزئين لأنها مما تنكره العقول فلا تقعد بعد الذكرى بعد أن ذكرناك قبحها ونبهناك عليه معهم » « 2 » . وقد عقّب بعضهم على هذا التفسير بأنه يعارض معنى الآية مبينا بأن النسيان هنا ليس نسيان الحكم الذي دل عليه العقل قبل ، ورود هذا النهي لأنه لو كان كذلك لما عبر بالمستقبل في قوله عز وجل : وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الآية . فلما ورد بصيغة المستقبل فلا وجه في حمله على الماضي « 3 » . ومن هذا قوله في الآية : لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ ما شَهِدْنا مَهْلِكَ أَهْلِهِ وَإِنَّا لَصادِقُونَ [ النمل : 49 ] : « وفي هذا دليل قاطع على أن الكذب قبيح عند الكفرة الذين لا يعرفون الشرع ونواهيه ولا يخطر ببالهم . ألا ترى أنهم قصدوا إلى قتل نبيّ الله ولم يرضوا لأنفسهم بأن يكونوا كاذبين حتى سوّوا للصدق في خبرهم حيلة يتقصون بها عن الكذب ؟ » « 4 » . ولم يخرج عن هذا السياق في تفسير قوله عز وجل : وَنَفْسٍ وَما سَوَّاها ( 7 ) فَأَلْهَمَها فُجُورَها وَتَقْواها [ الشمس : 7 ، 8 ] مبينا « معنى إلهام الفجور والتقوى : إفهامهما وإغفالهما » مدرجا رأي المعتزلة قائلا : « وأن أحدهما حسن والآخر قبيح وتمكينه من اختيار ما يشاء منهما بدليل « 5 » قوله تعالى : قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاها ( 9 ) وَقَدْ خابَ مَنْ دَسَّاها [ الشمس : 9 ، 10 ] . ويرى المعتزلة « أن الله سبحانه لم يرد المعاصي إلا المردار « 6 » فإنه حكي عنه أنه
--> ( 1 ) انظر ابن المنير ، الإنصاف ، هامش الكشاف ، ج 2 ، ص 27 - 26 . ( 2 ) الكشاف ، ج 2 ، ص 27 - ، 26 وكذا أبو حيان الأندلسي ، البحر المحيط ، ج 4 ، ص 546 . ( 3 ) انظر ابن المنير ، الإنصاف ، هامش الكشاف ، ج 2 ، ص 27 . ( 4 ) الكشاف : ج 3 ، ص 153 - 152 . ( 5 ) م ن ، ج 4 ، ص 259 - 258 . ( 6 ) هو أبو موسى عيسى بن صبيح لقبه المردار ( ت 226 ه ) وهو من علماء المعتزلة وكان يقال له : راهب المعتزلة . انظر البغدادي ، الفرق بين الفرق ، ص ، 429 وكذا الأسفراييني ( ت 471 ه ) التبصير في الدين وتمييز الفرقة الناجية عن الفرق الهالكين ، ج 1 ، ص ، 77 والشهرستاني ، الملل والنحل ، تحقيق محمد سيد كيلاني ، ج 1 ، ص ، 31 والإيجي ، المواقف في علم الكلام ، تحقيق د . عبد الرحمن عميرة ، ط 1 ج 3 ، ص 664 .